وجه الماي

 شعر شعبي عراقي

طرق بدموعه على الباب . . .

اللغة الشعبية كما تسمى اللغة المحكية التي يتفاهم بها عامة الناس بطلاقة متشابهة يتأجج فيها الحس الجمالي لأنها محتشدة بالطاقة الشعبية الناتجة من المشافهة الطويلة بين الناس لامتلاكها طاقة تعبيرية إذا استطاع الشاعر أن يفجر كوامنه ويوجج فيها بموهبته ضراوة التأثير والفعل لكي يوصل بها معطياته الحسية والفكرية بقوة ووضوح . ورغم بساطة هذه اللغة المحكية وسهولة قوانين الشعر الشعبي ، ألا أن تكوين القصيدة فيها لم يكن امرأ سهلا.

لذالك أن العديد من اللذين مارسوا الكتابة بهذا اللون من الأدب لم يستطيعوا الاستمرار والانتشار ، لأنهم لم يتمكنوا من اكتشاف أسرار وهواجس مفرداتها . غير انه الشعراء اللذين استطاعوا أن يتميزوا بشدة في القصيدة الشعبية اكتشفوا من خلال الاطلاع  الواسع على ألوان الشعر الشعبي العراقي والعربي بشكل عام . التراكيب الإبداعية والإيقاعية في الجمل الشعرية نتيجة التفاعل مع حرارة التجربة الخاصة والثقافة المعاصرة والنهل من الموروث الشعبي والفلكلور والحس العميق بالمفردة الشعبية وولادتها وضلالها وبريقها الخاطف.

إن الشعر الشعبي العراقي راسخ منذ القدم وان اختياره كأداة للتعبير هي تلك الأسباب الجمالية والفنية إضافة إلى العديد من العوامل الاقتصادية والسياسية والاجتماعية وغيرها من المؤثرات ولا أريد أن أ برز الدوافع لهذه المقدمات التي ذكرتها وإنما أحاول أن أقدم لكم نموذجا جديدا في هذا المضمار : 

شاعر شاب ليس له هم أخر غير الشعر............ !!!

الشعر الشعبي يعتقد انه ولد معه ، وأخاه في مهده وطفولته وصباه. 

انه يريد أن يفهم العالم دفعة واحدة فهو يسأل بإلحاح عن كل ما يتعلق بالشعر الشعبي والشعر عموما .

انه يضايقك بأسئلته التي لا تنتهي والمستفزة عن الكون والزمن والشعراء والشعر وألوانه.

هو يعتقد أن أشياء كثيرة فاتته  فهو من مواليد (1973) رغم انه نهل من شيخه و والده الذي فجر الحياة إيجابا وسلبا ، وتعلم من مدينته ( ألعماره) النابضة بالحب والحقيقة والألفة وكل صدق الجنوب وطيبته وعنفوانه ، وسحر المياه ونبؤه الخضرة .

انه يختزل في ذاكرته الكثير من الأسماء المميزة في عقود ذهبت ويتذكر معلمه في الصف الثالث الابتدائي وأبيات الشعر التي كان يرددها ، فقد قدم نفسه بأنه شاعر

ولقد كان له ما أراد .
لقد أفاقني وانأ في غفلة المجاملة إن شيئا ما يشتعل في روح هذا الفتى . أن احتراقه يضيء بمفردات قصائده الشابة .

لمن ينزل الليل..... تغمض عين الدرابين

ويطيح الدمع مني ........   ورك بربين

يا حوبة عباه أمي ألكلاها الطين

ساكت والشوارع  خايفة وياي

اعبر والشوارع تعبر وياي

انه بعين الكَصب والبردي ... تلكه ابجاي

ومثل ممشه الكطه ممشاي.

 

حازم جابر.......شاعر همه الشعر والتكوين والمحبة ... انه  يحب الشعر لحد الهوس ، و يتنشقه في تلك الأرض التي تعبق برائحة القصب والبردي

وهو يصر بعناد انه لابد أن يكون.... لقد افزع ضراوة الود في أللفتة الشعرية وأزعج الكثير من المحاولين عبثا أن يكتبوا القصيدة.

 

أمس حنيت ...أبوس عيون شارعنه

واركض بالدرب حافي احني الليل بالحنه

 

انه يصر على أن تبقى القصيدة عالية دون تدويرها في نافورات الإرجاع المثقل بالترتيب والمؤاربة والسطحية ، وهو يطفي النار بالنار. أو يشعل النار بالنار لأنه  يباغت الاعتيادي بالدهشة مثله مثل زميله الشاعر غانم هاشم الفياض ، الذي أصر هو الأخر على نخر سدود الحواجز الهزيلة بدفق  المفاجئة الواثبة.

هؤلاء الشعراء هم حصيلة لمستقبل القصيدة الشعبية النير ، لقد احترموا واخلصوا للكلمة في أبجدية الشعر الشعبي المتألقة في ذات وضمير الناس الفقراء  وأذواق المثقفين وسحر الجلسات وعنفوان الشكوى واختيار النفس في التصدي للضعف والوهن والانكسار.

 

أمس والشوك ماخذني

اعله نجمات الصبح ذبني

احس روحي أعبرت دنيه

ولكيت النخل شابكني

 

انه يمزج خضار الحند قوق بالخيط الأحمر المتوهج ، ويعجن الخباز بحبات الشفلح بعد إزالة حبوبه السوداء المرة ، ففي شعره تراتيل وأصوات القنابر المسكنة والمرفرفة فوق أعشاشها وهي تغرد بنشوة مطلقة.

 

اغزلني ويه خيط الشمس

وشرني أعله حبل الشمس

تلكاني جمرة وثلج

أذوب .....بس بهمس

هكذا عزيزي القارئ خرجت من زحمة صور قصائد هذا الشاعر الذي لا يخضع لضوابط صارمة فهو يرسم بتلقائية زاخرة بالجمال أغانيه .

 

عريان السيد خلف